UN

unknown

لقجع و«البام»: أزمة زعامة أم أزمة نموذج سياسي؟

Image
ما إن وطئت قدما فوزي لقجع عتبة حزب الأصالة والمعاصرة، حتى بدا كأن الحزب لم يُؤسَّس قبل دخوله، ولم تكن له قيادة ولا مؤسسات ولا «كفاءات» ملأت المنصات والخطابات سنوات طويلة؛ فتراجع الجميع، في انضباط يثير الإعجاب، إلى أدوار الكومبارس، وأصبح الوافد الجديد، بين ليلة وضحاها، مبشّرًا بعهد التغيير وحاملًا لمشروع المغرب في السنوات الخمس المقبلة. والمفارقة أن الحزب الذي ظل يبشّرنا بقوة المؤسسات لم يجد لتجديد نفسه سوى قوة اسم واحد، وكأن السياسة ليست بناءً جماعيًا، بل صفقة انتقال كبرى في آخر ساعات الميركاتو. غير أن ما يجري أعمق من مجرد التحاق شخصية نافذة بحزب سياسي: إنه إعلان ضمني عن عجز النخب الحزبية عن إنتاج زعامة من داخلها، وعن تحوّل الأحزاب إلى منصات جاهزة تنتظر من تمنحه الشرعية التنظيمية مقابل أن يمنحها بريقه ونفوذه. وهكذا، بدل أن يصنع الحزبُ القائدَ، صار القائدُ المفترض يعيد اختراع الحزب؛ وبدل أن يسألنا «البام» عن حصيلة قياداته، يدعونا منذ الآن إلى الإيمان بخمس سنوات من التغيير… يكفي فقط أن ننسى من كان يقوده بالأمس، ومن يقرر فعلًا من سيقوده غدًا. أما المخزن، فيبدو كمن أحرق أوراق نخبه واحدة تلو الأخرى، حتى لم يعد في صندوق السياسة اسم لم يُستهلك، ولا وجه لم تُطفئه السلطة أو تبتذله التجربة أو تلتهمه الحصيلة؛ فكان لا بد من إخراج تكنوقراطي ناجح من فضائه الإداري، وإلباسه، على عجل، قميصًا حزبيًا جديدًا، ثم تقديمه إلى المغاربة بوصفه آخر جرعة أمل في سوق فقد الثقة في بضاعته. لم يعد المطلوب، على ما يبدو، بناء مشروع سياسي يقنع المجتمع، بل العثور على اسم قادر على بيع شيء من الأمل، وتحريك بعض الأصوات، وتأجيل الاعتراف بانتهاء صلاحية النموذج. لكن أخطر ما في هذه الهندسة أنها لا تجدد السياسة، بل تستهلك آخر ما بقي خارجها من كفاءات؛ فتحرق التكنوقراط كما أحرقت السياسيين قبلهم، وتحوّل النجاح المهني إلى رأسمال انتخابي سريع النفاد. فهل ضللنا الطريق إلى درجة أننا لم نعد نبحث عن المؤسسات، بل عن منقذ جديد كل خمس سنوات؟ وإلى أين نسير إذا كان كل أفق سياسي يبدأ بوجه تُصنع حوله الهالة، وينتهي بإحراقه، ثم انتظار وجه آخر؟ ولعل السؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس: هل ينجح لقجع في إنقاذ «البام»؟ بل: لماذا يحتاج حزب يملك كل هذا النفوذ والامتداد إلى من ينقذه أصلًا؟ فالأزمة ليست أزمة أسماء، ولا نقصًا في الرجال القادرين على إدارة الملفات، وإنما أزمة سياسة أُفرغت تدريجيًا من معناها، حتى صار الوصول إلى السلطة يسبق بناء المشروع، وصار البحث عن الواجهة أهم من امتلاك الفكرة. قد يمنح لقجع الحزب بعض الأصوات، وقد يستعير الحزب من نجاحاته شيئًا من اللمعان، لكن الأمل لا يُستورد جاهزًا من الإدارة ولا يُصنع ببلاغ انضمام؛ الأمل الحقيقي يولد حين يعرف المواطن من يحكم، وعلى أي أساس يحكم، وكيف يمكن محاسبته. أما تدوير الوجوه داخل الهندسة نفسها، فليس تغييرًا بقدر ما هو تأجيل أنيق للأزمة. لسنا في حاجة إلى بطل جديد يُطلب منا التصفيق له، بل إلى سياسة لا تحتاج في كل موسم إلى بطل؛ وإلا فإننا لا نسير نحو المستقبل، بل ندور حول الفراغ نفسه، مع تغيير صورته وشعاره كل خمس سنوات. في نهاية المطاف، وبعد أكثر من سبعة وعشرين عامًا من حكم الملك محمد السادس، لم يعد من الإنصاف تحميل الأحزاب وحدها مسؤولية كل إخفاقات السياسة المغربية. فهذه الأحزاب لم تضعف من تلقاء نفسها أو في فراغ، بل أُضعفت داخل مشهد سياسي أُدير طويلًا عبر ضبط دقيق لموازين القوة والمسافات: فلا يُسمح لأي فاعل بأن يشتد عوده إلى الحد الذي يمكّنه من الحكم بالمعنى الحقيقي، ولا يُترك لأي طرف أن يضعف إلى درجة الاختفاء. وهكذا تظل المؤسسة الملكية مركز السلطة الفعلية، فيما تؤدي الحكومة دور الواجهة القابلة للاستهلاك والاستبدال؛ واجهة تُترك في مرمى غضب الشارع وتتحمل وحدها عبء المساءلة. غير أن لهذه الهندسة السياسية كلفة مؤجلة. فقد أُنهكت النخب، وأُفرغت مؤسسات الوساطة من مضمونها، وفقد المواطنون تدريجيًا القدرة على التمييز بين من يصنع القرار ومن يدفع ثمنه سياسيًا. واليوم، حين يُقدَّم تكنوقراطي مرتديًا ألوانًا حزبية بوصفه بداية جديدة، فإننا لا نشهد بعثًا للحياة السياسية، بل محاولة أخرى لإنعاشها من داخل المنظومة نفسها التي استنزفتها وأفرغتها من جوهرها. قد تنجح السلطة، عبر وزارة الداخلية، أو ما وصفه السي رشيد البلغيتي بـ«حزب الأغلبية الدائمة» الذي لا يخضع للمحاسبة أبدًا، في إدارة المسرح السياسي والحيلولة دون وقوع مفاجآت غير مرغوب فيها. لكنها لن تستطيع كبح الأسئلة إلى الأبد. فالمغرب لا يحتاج إلى واجهة جديدة كل خمس سنوات، بل يحتاج إلى أن يعرف، بوضوح لا لبس فيه، من يحكم، ومن يُحاسَب، ومن يملك سلطة تغيير وجهة البلاد. إذا كان أصحاب السلطة يريدون حقًا أحزابًا قوية، فعليهم أن يسمحوا لتلك الأحزاب بأن تصبح قوية. وإذا كانوا يريدون حكومات خاضعة للمساءلة، فعليهم أن يتيحوا لها أن تحكم. وإذا كانوا يريدون من المواطنين أن يؤمنوا بالانتخابات، فيجب أن تُفضي تلك الانتخابات إلى ما هو أبعد أثرًا من مجرد استبدال واجهة بأخرى. فإذا كان أخنوش يُستهلَك اليوم، كما استُهلِك غيره من قبله، ليُقدَّم فوزي لقجع غدًا بوصفه المنقذ الذي طال انتظاره، بينما يظل البرلمان ضعيفًا وتبقى الحكومة عاجزة عن الحكم بالمعنى الحقيقي، فإن المغرب لا يبني نموذجًا ديمقراطيًا، بل يعيد ترتيب القطع فوق الرقعة نفسها، ثم يطلب من المغاربة أن يصدقوا أن اللعبة ذاتها قد تغيّرت. وكما يذكّرنا ليستر فريمون في المسلسل الأمريكي «ذا واير» (The Wire): «نحن نبني شيئًا هنا… وكل القطع مهمة». غير أنه، في النموذج المغربي، تبدو قطعة واحدة فقط هي التي ترسم الملامح النهائية للصورة، بينما يُعاد ترتيب البرلمان والحكومة والأحزاب والناخبين من حولها كل خمس سنوات، ثم يُطلب من المواطنين أن يسمّوا النتيجة بناءً ديمقراطيًا. وفي الأثناء، لا ينتظر شباب البلاد، وهم عماد كل مجتمع، جولة إعادة الترتيب المقبلة؛ فبعضهم مستعد للسير من مدينة إلى أخرى حتى يصل إلى الفنيدق، حين يعجز عن تحمّل كلفة النقل أو يجد طريقه معرقلًا، مدفوعًا بأمل العبور إلى سبتة، حيث يتصور أن الكرامة مصونة والحقوق محفوظة. وعلى كل أمة أن تخشى اللحظة التي يكف فيها شبابها عن رؤية أنفسهم جزءًا من المستقبل الذي يُبنى في وطنهم، ويبدؤون في رؤية سياج حدودي بوصفه بوابةً إلى حياة كريمة. وخلال تنقلي بالسيارة عبر المغرب الشهر الماضي، بدا لي أنني أشاهد بلدين يتكشفان على امتداد الطرق نفسها. ففي المدن الكبرى وضواحيها، كانت مشاريع ضخمة ومبهرة ترتفع في كل مكان تقريبًا، كأنها شواهد على وطن يسابق الزمن نحو الحداثة. لكنني رأيت أيضًا، على امتداد التلال والمسالك الجبلية، أعدادًا لافتة من الأطفال والشباب يسيرون نحو الفنيدق، يحدوهم أمل الوصول إلى سبتة والفرار إلى الضفة الأخرى. وفي لحظة ما، توقفت لالتقاط صورة والتحدث إلى مجموعة منهم. سألتهم: لماذا لا تبقون هنا، وتصوّتون، وتسهمون في اختيار مستقبل مغربكم؟ لم يكن أيٌّ منهم يعرف موعد الانتخابات المقبلة. وقد كشفت تلك الإجابة حجم المسافة الفاصلة بين المغرب الذي يُبنى من حولهم، والمغرب الذي يشعرون بأنهم يملكون أي قدرة على بنائه لأنفسهم. وما نشأت هذه المسافة إلا لأن نظامًا سياسيًا يطالب الشباب مرارًا بالمشاركة، في الوقت الذي يحرم فيه المؤسسات المنتخبة من السلطة التي تجعل مشاركتهم ذات أثر، لا بد أن يعلّمهم في نهاية المطاف أن الرحيل يمنحهم قدرة على تقرير مصيرهم تفوق ما يمنحهم إياه صندوق الاقتراع.
لقجع و«البام»: أزمة زعامة أم أزمة نموذج سياسي؟
View on original source
Share
Archive
Like

(0)Comments

 

Related Opinion

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.